ابن رشد

73

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

وأما الصوفية ( وهم داخلون في عداد الباطنية الذين ذكرهم كفرقة ) " فيزعمون - يقول ابن رشد - أن المعرفة بالله وبغيره من الموجودات شيء يلقى في النفس عند تجريدها من العوارض الشهوانية وإقبالها بالفكرة ( - بالتفكير ) على المطلوب " . ويرد ابن رشد على هذه الدعوى بأن هذه الطريقة ، طريقة الكشف والإلهام - إذا سلمنا بوجودها - " ليست عامة للناس بما هم ناس ، فضلا عن أنها ليست الطريقة التي قصد الشرع حمل الناس عليها " : فالقرآن كله دعاء إلى النظر والاعتبار وتنبيه على طرق النظر " ( ف : 65 - 66 ) . أما المعتزلة فيقول ابن رشد عنهم إن كتبهم لم تصل إلى الأندلس في زمانه وإن كان يبدو أنها من جنس طرق الأشعرية ( ف : 7 ) ، وبالتالي فما سيقال في الرد على الأشعرية ينطبق كذلك على المعتزلة . يبقى الأشعرية إذن ، وهم الذين كانت لهم السيادة ، كما قلنا ، على الساحة العقدية زمن ابن رشد . لقد جعلوا من مذهبهم وحده المذهب الحق وحكموا بالبطلان على جميع المذاهب الأخرى . بل إن بعضهم جعل المقدمات العقلية التي وضعوها للاستدلال على وجهة نظرهم شرطا في الإيمان ، حتى إنهم كفروا " من ليس يعرف وجود الباري بالطرق التي وصفوها لمعرفته " . هذا فضلا عن كونهم يجحدون كثيرا من الضروريات العقلية ، وعن كون الغزالي ، وهو من أقطابهم قد كفر الفلاسفة لاختلافهم مع وجهة النظر الأشعرية . سيركز ابن رشد إذن على المذهب الأشعري : يحلل طريقتهم في إثبات العقائد الدينية الإسلامية ، ويكشف عن جوانب الوهن والخلل فيها من الناحية المنطقية ، ويبين ابتعادها ، عن الطريقة التي " قصد الشرع حمل الجمهور عليها " ، وهي الطريقة الواردة في القرآن الكريم من جهة ، وتناقضها ، مع العقل والمعرفة العلمية الفلسفية من جهة أخرى . 2 - العلماء والجمهور : الفرق في المعرفة ، لا غير ولا بدّ من الوقوف هنا قليلا مع هذا التمييز الذي يقيمه ابن رشد بين العلماء والجمهور : إنه تمييز على مستوى المعرفة فقط ، فالاختلاف بين معارف العلماء ومعارف الجمهور اختلاف في التفاصيل ، وبالتالي في الدرجة ، لا في النوع : الجمهور يقتصرون " على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس " ، ولذلك يخاطبهم الشرع بضرب المثل وتصوير صفات الألوهية والقضايا الأخروية